النويري
139
نهاية الأرب في فنون الأدب
قال : واستدعى الرشيد من ساعته بياسر ، غلام من غلمانه ، وقيل بمسرور الخادم ، فأرسله في جماعة من الجند إلى جعفر ، ليضرب عنقه وليأتيه برأسه ، فمضى حتى دخل على جعفر وعنده بختيشوع الطبيب ، وأبو زكَّار يغنيه : فلا تبعد فكل فتى سيأتي عليه الموت يطرق أو يغادى وكل ذخيرة لا بدّ يوما وأن بقيت « 1 » تصير إلى نفاد فقال له جعفر : قد سررتنى بإقبالك إليّ ، وسؤتنى بدخولك عليّ بغير إذن ، فقال : الأمر أكبر من ذلك ، إن أمير المؤمنين أمرني بكذا وكذا ، فأقبل جعفر يقبّل يديه ورجليه ، ويقول : دعني أدخل وأوصى ، فقال : لا سبيل إلى ذلك ، ولكن أوص بما شئت ، فأوصى بما أراد وأعتق مماليكه ، ثم قال : إن لي عندك حقا ولن تجد مكافأتى إلا في هذه الساعة ، فارجع إلى أمير المؤمنين فأعلمه أنّك قد نفّذت كما أمرك به ، فإن أصبح نادما كانت حياتي على يديك ، وكانت لك عندي نعمة ، وإن أصبح على مثل مذهبه نفّذ ما أمرك به ، قال : ولا هذا ، قال : فأسير معك إلى مضرب أمير المؤمنين بحيث أسمع كلامه ومراجعتك إياه ، فإذا أبليت عذرا ولم يرض إلا بمصيرك إليه برأسى فعلت ، قال : أما هذا فنعم ، فسارا جميعا إلى مضرب الرشيد ، فلما أتاه الخادم وجده في فراشه ، فلما أحس به قال : إيتنى برأسه ، فعاد إلى جعفر وأخبره ، فقال : اللَّه اللَّه ، واللَّه ما أمرك إلا وهو سكران ، فدافع حتى أصبح أو راجعه ثانية ، فعاد ليراجعه فقال له : يا ماص بظرأمه ، إيتنى برأسه ، فرجع إلى جعفر وأخبره ، فقال ومرّة أخرى ، فلما رجع إليه حذفه بعمود كان في يده ، وقال : نفيت عن المهدى لئن لم
--> « 1 » في الكامل ج 5 ص 115 : كرمت ، ويأتي بعد هذا البيت في ابن خلكان ج 1 ص 304 وكمامة الرهر ص 228 البيت الآتي : ولو فوديت من حدث الليالي فديتك بالطريف وبالتلاد